أحمد بن محمد القسطلاني

473

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من قدم المدينة يومئذٍ من الناس إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجًا ، وللبكاء في أرجائها عجيجًا ، وحق ذلك لهم ولمن بعدهم ، كما روي عن أبي ذؤيب الهذلي قال : بلغنا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليل فاستشعرنا حزنًا وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها ، فظللت أقاسي طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بي هاتف وهو يقول : خطب أجل أناخ بالإسلام . . . بين النخيل ومعقد الآطام قبض النبي محمد فعيوننا . . . تهمى الدموع عليه بالتسجام قال : فوثبت من نومي فزعًا فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعدًا الذابح فتفاءلت به ذبحًا يقع في العرب ، وعلمت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قبض فركبت ناقتي وسرت فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج فقلت : مه ؟ فقالوا : قبض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فجئت المسجد فوجدته خاليًا فأتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدت بابه مرتجًا ، وقيل : هو مسجى قد خلا به أهله فقلت : أين الناس ؟ فقيل : في سقيفة بني ساعدة فجئتهم فتكلم أبو بكر - رضي الله عنه - فلله ذره من رجل لا يطيل الكلام ، ومدّ يده فبايعوه ورجع فرجعت معه فشهدت الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودفنه . 84 - باب آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( باب أخر ما تكلم به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . 4463 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ يُونُسُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ : « إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ يُخَيَّرَ » فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ، ثُمَّ قَالَ : « اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى » فَقُلْتُ : إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهْوَ صَحِيحٌ ، قَالَتْ : فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا « اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى » . وبه قال : ( حدّثنا بشر بن محمد ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة المروزي قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر أخبرنا ( عبد الله ) بن المبارك المروزي ( قال يونس ) بن يزيد الأيلي : ( قال الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب : ( أخبرني ) بالإفراد ( سعيد بن المسيب في رجال من أهل العلم ) منهم عروة بن الزبير كما في كتاب الرقاق ( أن عائشة ) - رضي الله عنها - ( قالت : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول وهو صحيح ) : جملة حالية . ( إنه لم يقبض نبيّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير ) بين الدنيا والآخرة ( فلما نزل به ) المرض ( ورأسه على فخذي ) ولأبي ذر عن الكشميهني : في فخذي ( غشي عليه ثم أفاق فأشخص ) رفع ( بصره إلى سقف البيت ثم قال : اللهم ) أسألك ( الرفيق الأعلى فقلت : إذًا لا يختارنا وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدّثنا به وهو صحيح ) وما فهمته عائشة - رضي الله عنها - من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اللهم الرفيق الأعلى " إنه خير نظير فهم أبيها - رضي الله عنهما - من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إن عبدًا خيّره الله " إن العبد المراد هو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بكى ( قالت : فكان ) ولغير أبي ذر فكانت ( آخر كلمة تكلم بها اللهم الرفيق الأعلى ) . وعند الحاكم من حديث أنس أن آخر كلمة تكلم بها " جلال ربي الرفيع " . 85 - باب وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( باب ) وقت ( وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . 4464 و 4465 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا . [ الحديث 4464 - طرفه في : 4978 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين قال : ( حدّثنا شيبان ) بالشين المعجمة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فموحدة مفتوحة ابن عبد الرحمن النحوي ( عن يحيى ) بن أبي كثير ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف ( عن عائشة وابن عباس - رضي الله عنهم - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبث ) بالموحدة المكسورة والمثلثة أي مكث ( بمكة عشر سنين ) بعد أن فتر الوحي ثلاث سنين كما قاله الشعبي ( ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا ) . وبهذا يزول الإشكال ، فإن ظاهره يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام عاش ستين سنة وهو يغاير المروي عن عائشة أنه عاش ثلاثًا وستين ، فإذا فرض ما بعد فترة الوحي ومجئ الملك بيا أيها المدثر وضح وزال الإشكال ، وهو مبنيّ على ما وقع في تاريخ الإمام أحمد عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين ، وبه جزم ابن إسحاق . وقال السهيلي : جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف ، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر ، فمن قال : مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة ومن قال : ثلاث عشرة سنة أضافها اه - . وهذا معارض بما روي عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أيامًا ، وحينئذٍ فلا يحتج بمرسل الشعبي لا سيما ما عارضه . قال في الفتح : وقد